الشيخ محمد هادي معرفة
311
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
بالكيفيّة التي كانت على الأُمم السالفة طابق النعل بالنعل فلا يجوز لهم مقاربة النساء ، ولا تناول الطعام والشراب إذا قاموا بعد العشاء الآخرة . وهذا الحكم منسوخ بالآية الثانية لا محالة . لكن على فرض التسليم فهو تخصيص للحكم لانسخ له رأسا . والعمدة أنّ التشبيه هنا ينظر إلى ناحية أصل وجوب الصوم ، تخفيفا لوطئة هذا التكليف ، أمّا الآية الثانية فهو ترخيص في مقام توهّم الحظر ، أو هو رفع لحكم ثبت بالسنّة ، فإنّ حرمة مقاربة النساء والأكل والشرب بعد عشاء الآخرة ليست ممّا تستفاد من الآية الأُولى . 10 - « وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ » . « 1 » قال ابن حزم : نسخها قوله : « فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ » . « 2 » هؤلاء فسّروا الإطاقة هنا بالقدرة ، فكان ظاهر الآية تخيير المتمكّن بين الصوم والفداء . لكن الإطاقة هنا بمعنى بلوغ غاية الجهد ، كناية عن المشقّة البالغة في الصوم ، فهذا مرخّص له في الإفطار والفداء ، إذن فهذه الآية تخصيص في الحكم المستفاد من الآية الثانية ، كما هو تخصيص في الحكم المستفاد من صدر الآية الأُولى أيضا . 11 - « وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا » . « 3 » لمّا نزلت كان رسولاللّه صلى الله عليه وآله يقاتل من قاتله من المشركين ويكفّ عمّن كفّ عنه ، فنسخت بقوله تعالى : « فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ » . « 4 » وقد تقدّم أنّه من التدرّج في أمر القتال . 12 - « وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ » . « 5 » قال ابن حزم : نسختها « فَإِنْ قاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ » وهذا غريب بعد أن كان هذا تفريعا على مفهوم الغاية ، أي تصريح بالمفهوم ، فهو تثبيت لما يستفاد من السابقة لانسخ لحكمها كما لا يخفى .
--> ( 1 ) - البقرة 184 : 2 . ( 2 ) - البقرة 185 : 2 . رسالة الناسخ والمنسوخ لابن حزم ، ج 2 ، ص 162 ؛ وراجع : مجمع البيان ، ج 2 ، ص 274 . ( 3 ) - البقرة 190 : 2 . ( 4 ) - مجمع البيان ، ج 2 ، ص 284 . ( 5 ) - البقرة 191 : 2 .